الحسين بن نصر ابن خميس

18

مناقب الأبرار ومحاسن الأخيار

وأحببته ، فارتحلت إليه « 1 » . قال الفضيل : فسمعت من كلامه ما قطعني عن جوابه ، فقلت له : يرحمك اللّه ، عظني وأوجز . فقال لي : يا فضيل ، مثلك من يقول هذا ؟ ! أما علمت أنّ لله عبادا قطعهم الجزع عن كلف « 2 » الألسن ، فكلّت الألسن من غير عيّ عن محاسن الوصف خوف العقاب ، فاغتبطوا عند اللّه ، وإنّ حاجة أحدهم لتتردّد في صدره ، لا يأذن لنفسه إطلاقها خوفا من شرّ نفسه ، فأصبحوا مع حسن هذه الصّفة في الدّنيا محزونين مغمومين ، عقول صحيحة ، ويقين ثابت ، وألسن ذاكرة ، وجوارح معلّقة ، وأرواح في الملكوت سارحة . ثمّ ولّى وهو يقول : أحسنت ظنّك بالأيّام إذ حسنت * ولم تخف سوء ما يأتي به القدر وسالمتك اللّيالي فاغتررت بها * وعند صفو اللّيالي يحدث الكدر « 3 » وقال : من استحوذت عليه الشّهوات ، انقطعت عنه موادّ التّوفيق . وقال : كفى بخشية اللّه علمّا ، والاغترار به جهلا . وقال : كفى باللّه محبّا ، وبالقرآن مؤنسا ، وبالموت واعظا « 4 » . اتخذ اللّه صاحبا * ودع النّاس جانبا « 5 » وقال : إنّما أمس مثل ، واليوم عمل ، وغدا أمل « 6 » . وقال : من خالط النّاس لا يسلم ولا ينجو من إحدى اثنتين : إمّا أن

--> ( 1 ) كذا في الأصول ، وفي روض الرياحين : عرفته فاستأنست ، وأحبّته فارتحلت . ( 2 ) في ( ب ) : الجوع عن تكلف . ( 3 ) البيتان في محاضرات الأدباء 2 / 166 لسعيد بن وهب ، وفي نهج البلاغة 19 / 178 من غير عزو ، وفي أنس المسجون 245 . وتتمة الخبر في مختصر تاريخ دمشق 20 / 305 ، وروض الرياحين الحكاية 32 ثم ولّى وأنشأ يقول : فهام وليّ اللّه في القفر سائحا * وحطّت على سير القدوم رواحله فعاد بخير قد جرى في ضميره * تذوب به أحشاؤه ومفاصله ( 4 ) سير أعلام النبلاء 8 / 388 . ( 5 ) وهو مما ينسب لإبراهيم بن أدهم ، وانظر طبقات الصوفية 37 ، والحلية 7 / 373 . ( 6 ) تهذيب الكمال 23 / 291 . وسيرد القول صفحة 163 منسوبا لسري السقطي .